سيد محمد طنطاوي
264
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
شأن الخلائق ، وتنظيم أحوالهم بالطريقة التي يأمرهم - سبحانه - بها ، فنسبة التدبير إليهم ، إنما هي على سبيل المجاز ، لأن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقضاء اللَّه وتقديره وتدبيره . والمراد بالأمر : الشأن والغرض المهم ، وتنوينه للتعظيم ، ونصبه على المفعولية للفظ المدبرات . أي : وحق الملائكة الذين يرتبون شؤون الخلائق ، وينظمون أمورهم بالطريقة التي يكلفهم - سبحانه - بها . وجاء العطف في قوله : * ( فَالسَّابِقاتِ ) * * ( فَالْمُدَبِّراتِ ) * بالفاء ، للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها بغير مهلة . وللإيذان بأن هاتين الصفتين متفرعتين عما قبلهما . وعلى هذا التفسير الذي سرنا فيه على أن هذه الصفات لموصوف واحد ، سار كثير من المفسرين : فصاحب الكشاف صدر تفسيره لهذه الآيات بقوله : أقسم - سبحانه - بطوائف الملائكة ، التي تنزع الأرواح من الأجساد وبالطوائف التي تنشطها ، أي تخرجها . . . وبالطوائف التي تسبح في مضيها ، أي : تسرع فتسبق إلى ما أمروا به ، فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم ودنياهم ، كما رسم اللَّه - تعالى - لهم . . . وأسند التدبير إليهم - أي إلى الملائكة - لأنهم من أسبابه . . . « 1 » . وقال الشوكاني : أقسم - سبحانه - بهذه الأشياء التي ذكرها ، وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم ، كما ينزع النازع القوس فيبلغ بها غاية المد ، وكذا المراد بالناشطات ، والسابحات ، والسابقات ، والمدبرات ، يعنى الملائكة . والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي ، منزلة التغاير الذاتي ، كما في قول الشاعر : إلى الملك القرم ، وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وهذا قول الجمهور من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم . . . « 2 » . ومنهم من يرى أن المراد بالنازعات : النجوم تنتقل من مكان إلى مكان ، أو الأقواس التي تنزع السهام ، أو الغزاة ينزعون من دار الإسلام إلى دار الحرب . . . ومنهم من يرى أن المراد بالناشطات : الكواكب السيارة ، أو السفن التي تمخر عباب الماء . . . وأن المراد بالسابحات والسابقات : النجوم ، أو الشمس والقمر ، والليل والنهار . . . أما المدبرات فقد أجمعوا على أن المراد بها الملائكة . قال الجمل : اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات ، هل هي صفات لشيء واحد ، أو
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 693 . ( 2 ) تفسير فتح القدير ج 5 ص 372 .